محمد متولي الشعراوي
1349
تفسير الشعراوى
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه اللّه لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشئ قد كتبه اللّه عليك ، رفعت الأقلام ، وجفت الصحف » « 1 » . فلا يستطيع أحد أن يدخل مع اللّه في جدال . إنما يدخل خلق اللّه مع خلق اللّه في خلاف أو نضال ، لكن لا أحد يجرؤ على أن يدخل في نضال مع اللّه لأنه عزيز لا يغلب . فإن آمنت به وحده ، فلك الفوز . وكلمة « وحده » قد تبدو في ظاهرها تقليلا للسند الذي تستند إليه في القياس البشرى ، فيقال : « أنا لاجىء إلى فلان وحده » وعندما تكون لاجئا إلى عشرين ألا تكون أكثر قوة ؟ لكن هنا لا يكون قياس بين اللجوء إلى اللّه وحده ، بقياس اللجوء إلى مخلوق . إنك هنا تلجأ إلى خالق أعلى بيده مقاليد كل شئ وهو على كل شئ قدير ، فكلمة « وحده » هنا تغنيك وتكفيك عن الكل . اعمل لوجه واحد . يكفك كل الأوجه ، واعلم أنه لا يوجد من يغلبه على أمره . وعظمة الحق أنه واحد أحد فرد متفرد صمد ، وهو عزيز لا يغلب على أمره ، وهو صاحب كل الحكمة في وضع الأشياء في مواضعها بحيث إذا ما عرفت حكمة ما يجريه اللّه سبحانه وتعالى على خلقه فأنت تتعجب من عظمة قدرة اللّه ، لأن الحكمة هي وضع الشئ في موضعه ، وما دمت قد وضعت الشئ في موضعه فإنه لا يكون هناك قلق ، وما دام الشئ موضوعا في مكانه فهو مستقر ، وما دام الشئ مستقرا فإنه لا يتلون وتزداد الثقة فيه ، وهذه مأخوذة من « الحكمة » التي توضع في فم الفرس ، والتي نسميها « اللجام » وهي كما نعرف تتكون من قطعة من الجلد تدخل على اللسان وفيها قطعة من الحديد ، فإن مال إلى غير الاتجاه الذي تريد ، يكون من السهل جذبه إلى الاتجاه الصحيح . إن وجود الحكمة يعنى وجود شئ يحكمه فلا ينحرف يمينا ولا يسارا ، وما دام اللّه قد شهد أنه لا إله إلا هو ، وشهدت الملائكة وشهد أولو العلم ، وانتهت القضية بعد هذه الشهادات إلى أنه لا إله إلا هو ، وأنه العزيز الحكيم ، فكل منهج منه يجب أن يسلم إليه ، وأن ينقاد له . وما دام اللّه قد شهد لنفسه بأنه إله واحد ، أي لا يوجد له
--> ( 1 ) رواه الترمذي .